Syrian British Academic Association (SBAA)

الليرة السورية الجديدة: خطوة نحو التعافي أم تغيير بلا حلول؟

Economic

الليرة السورية الجديدة: خطوة نحو التعافي أم تغيير بلا حلول؟

جاء طرح الليرة السورية الجديدة ضمن مسارٍ رمزيٍ أوسع رافق مرحلة “سورية الجديدة”، حيث شمل التغييرُ الهويةَ البصرية، والنشيدَ الوطني، وصولاً إلى العملة الوطنية. هذا المسار لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً نقدياً فحسب، بل هو جزءٌ من محاولةٍ أوسع لإعادة صياغة المشهد العامّ للدولة، وإعادة بناء الثقة بالرموز السيادية بعد سنواتٍ طويلةٍ من الاضطراب الاقتصادي والنقدي.

فالعملة ليست مجرد ورقةٍ نقديةٍ أو رقمٍ في حسابٍ مصرفيٍ، بل هي مرآةٌ تعكس قوة الدولة، ومتانة مؤسساتها، وقدرتها على إدارة اقتصادها بكفاءةٍ واستقرار. لذلك، فإن أي تغييرٍ في العملة يحمل في طيّاته أبعاداً نفسيةً واقتصاديةً عميقةً، تتجاوز الشكل إلى الجوهر.

إلا أن التجارب الدولية تؤكد أن تغيير شكل العملة وحده لا يكفي إذا لم يُدعَم بسياساتٍ اقتصاديةٍ حقيقيةٍ تعالج جذور الأزمة. فالرمزية قد تخلق زخماً مؤقتاً، لكنها لا تصنع استقراراً دائماً ما لم تترافق مع إصلاحاتٍ ماليةٍ ونقديةٍ واضحةٍ، وضبطٍ للإنفاق العام، وتحفيزٍ للإنتاج، وإعادة هيكلةٍ للقطاع المصرفي.

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تمثل الليرة السورية الجديدة بداية مسارٍ إصلاحيٍ شاملٍ، أم أنها مجرد خطوةٍ شكليةٍ لن تغيّر في الواقع المعيشي شيئاً؟

لقد ساهم استبدال العملة في تحقيق نوعٍ من الاستقرار النسبي في سعر الصرف، أو على الأقل الحدّ من الفوضى النقدية السابقة التي اتسمت بتعدد الأسعار وغياب المرجعية الواضحة. هذا الاستقرار النسبي انعكس في تراجع حدّة المضاربات، وفي قدرٍ من الانضباط في السوق النقدية.

غير أن هذا التحسن بقي محدود الأثر على حياة المواطن اليومية، إذ لم ينعكس بصورةٍ ملموسةٍ على أسعار السلع الأساسية أو على القدرة الشرائية. فما زال غلاءُ المعيشة التحديَّ الأكبر أمام السوريين، في ظل فجوةٍ واضحةٍ بين الدخل والأسعار، وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والاستيراد.

تجارب دولية ودروس اقتصادية

تجارب دولٍ أخرى تقدم دروساً مهمةً في هذا السياق. ففي زيمبابوي، أُلغيت العملة الوطنية وأُعيد طرحها أكثر من مرّةٍ خلال العقدين الماضيين، في محاولةٍ لكبح جماح التضخم المفرط الذي بلغ مستوياتٍ قياسية. غير أن غياب الانضباط النقدي، واستمرار تمويل العجز بطباعة النقود، وانعدام الثقة بالمؤسسات، كلّها عوامل أدّت إلى فشلٍ متكرر.

الأمر ذاته يمكن ملاحظته في فنزويلا، حيث تم حذف أصفارٍ من العملة أكثر من مرةٍ في إطار ما سُمّي بإعادة الهيكلة النقدية. لكن التضخم استمر، والقدرة الشرائية انهارت، لأن جذور الأزمة المرتبطة بالعجز المالي، وتراجع الإنتاج، والعقوبات، وسوء الإدارة الاقتصادية، لم تُعالَج بعمق.

في المقابل، تقدّم تجارب أخرى نموذجاً مغايراً يثبت أن تغيير العملة قد يكون نقطةَ تحولٍ حقيقيةً إذا جاء ضمن رؤيةٍ إصلاحيةٍ متكاملة. ففي تركيا، جرى حذف ستة أصفارٍ من الليرة عام 2005 بعد سنواتٍ من التضخم المرتفع، لكن الخطوة جاءت ضمن برنامج إصلاحٍ اقتصاديٍ واسعٍ شمل استقلاليةً أكبر للبنك المركزي، وضبطاً مالياً، وإعادة هيكلةٍ للقطاع المصرفي.

أما في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فقد شكّل الإصلاح النقدي عام 1948 حجر الأساس لما عُرف لاحقاً بـ”المعجزة الاقتصادية”. لم يكن تغيير العملة آنذاك مجرد إجراءٍ تقنيٍ، بل ترافق مع إصلاحاتٍ هيكليةٍ عميقةٍ، وتحريرٍ للأسعار، وتشجيعٍ للإنتاج، وبناءٍ لمؤسساتٍ اقتصاديةٍ قوية.

الإصلاح النقدي والقطاع المصرفي

انطلاقاً من هذه المقارنات، يتضح أن السياسة النقدية المنضبطة تبقى خط الدفاع الأول في مواجهة أيّ أزمةٍ مالية. فالتحكم بمعدلات التضخم، وضبط الكتلة النقدية، وإدارة سعر الصرف بواقعيةٍ وشفافيةٍ، كلّها عناصر أساسيةٌ لنجاح أيّ تغييرٍ في العملة.

تدخل سوريا اليوم مرحلة انفتاحٍ اقتصاديٍ إقليميٍ ودوليٍ يشمل مختلف الجغرافيا السورية، ما يفرض دوراً محورياً على القطاع المصرفي المزمَع منحُه تراخيصَ جديدة. غير أن التحدي لا يكمن في عدد المصارف، بل في طبيعة عملها ونوعية خدماتها.

المطلوب مصارف تفهم الواقع السوري بتعقيداته، وتضع المواطن في صلب سياساتها، وتراعي الأرضية الاقتصادية المحلية عند تصميم منتجاتٍ ماليةٍ مرنة. فشريحةٌ واسعةٌ من السوريين تعيش بدخلٍ محدودٍ، وتواجه مخاطر اقتصاديةً مرتفعةً، ما يستدعي شروطَ إقراضٍ ميسّرةً، وأدوات تمويلٍ صغيرةً ومتوسطةً تدعم المشاريع الإنتاجية.

وفي هذا السياق، يبرز تطورٌ لافتٌ يتمثل في توقيع مصرف سورية المركزي اتفاقية شراكةٍ مع مجموعة لندن للأوراق المالية. هذه الخطوة تحمل أبعاداً استراتيجيةً مهمةً، إذ يمكن لمثل هذه الشراكات أن تسهم في تحديث البنية التحتية المالية، وتعزيز معايير الشفافية والإفصاح، وتطوير أنظمة المدفوعات والتسويات.

البعد الاجتماعي والاقتصادي

كذلك، فإن أيّ إصلاحٍ نقديٍ أو مصرفيٍ لا بد أن يرتبط بسياساتٍ اقتصاديةٍ أوسع تعيد الاعتبار للإنتاج المحلي، سواءً في الزراعة أو الصناعة أو الخدمات. فاستقرار العملة يستند في النهاية إلى اقتصادٍ حقيقيٍ يولّد قيمةً مضافةً وفرص عمل.

ولا يمكن إغفال البعد الاجتماعي في هذه المعادلة. فنجاح الليرة الجديدة لا يُقاس فقط بثبات سعر الصرف، بل بمدى قدرتها على حماية القوة الشرائية للمواطن، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وتحقيق قدر من العدالة الاقتصادية.

في الختام، يبقى الأمل قائماً بأن ينعكس تغيير الليرة السورية إيجاباً على تطور الاقتصاد السوري، فهي بنية أساسية لأي اقتصاد وطني، ورمز سيادي يعكس صورة الدولة في الداخل والخارج. لكن هذا الأمل لن يتحقق إلا إذا كان تغيير العملة جزءاً من مشروع إصلاحي متكامل، لا خطوة معزولة.

مشروع يضع الاستقرار النقدي، وتحفيز الإنتاج، وتطوير القطاع المصرفي، وتعزيز الشفافية، والعدالة الاقتصادية في صلب أولوياته. عندها فقط يمكن أن تتحول الليرة الجديدة من مجرد رمز للتغيير إلى أداة حقيقية للتعافي والنهوض الاقتصادي.


الدكتور جاسم العكلة
أستاذ مشارك في الاقتصاد والمالية – جامعة أنجيلا رسكن، بريطانيا
زميل معهد التأمين القانوني – لندن
عضو مجلس الجمعية الأكاديمية السورية البريطانية